حول العالم

تعرف على ثاني اقدم مترو في العالم ف حي “قره كوي” الشعبي

حي “قره كوي” زهرة فواحة في رياض إسطنبول

تُعَدُّ منطقة قره كوي، إحدى زهرات حدائق إسطنبول، فهي بحق إحدى أحيائها المزهرة، تربط بين أغصان الحدائق وأفنانها، عبر شبكةِ مواصلات ونِقاط عبور برية وبحرية، فمن هذا الحي، يمرُّ المُتنقِّلُ في إسطنبول، فمن دَوْحٍ إلى فنن، ومِن زهرةٍ إلى غصن.

حظيت قره كوي بأهميتها المعاصرة، نظراً لما تمتاز به من أهمية ضاربة العمق في جذور التاريخ، فالمنطقة استمدت اسمَها من سكَّانها اليهود “يهود قاراي” وذلك قبل الفتح الإسلامي العثماني، لتتحول – شأن المدن والأسماء عبر التاريخ – إلى اسم “قره كوي” التابعة في الوقت المعاصر لبلدية “بي أوغلو” القريبة من منطقة تقسيم.

وقد زادت أهميتُها المعاصرة لكونها منطلقَ الفعاليات ونقطةَ التقائها، سواء منها الاقتصادية أو التجارية أو السياحية أو التاريخية، فقد أحيتْ أمجادَها الغابرة بكونها ضمَّت في القديم أهمَّ مركزٍ تجاريٍ عالميٍ وأعظم ميناء بحري، إضافة إلى تفردها بأقدم مترو للمواصلات في العالم.


ولا تقتصر أهميتها على الجوانب المعنوية الموروثة من التاريخ، فهي إلى جانب ذلك ما زالت تحتفظ بالعبق التاريخي المادي، متمثلاً بالمباني العمرانية والأزقة الضيقة التي يعانق بعضُها بعضاً، ولا تمكّن الزائرَ في كثير منها إلا أنْ يسلكها على قدميه متأملاً في انشراح وعبق كبيرين، ومتلمساً نسمات الزمن والتاريخ بين الجنبات والردهات.

 

تتربع قره كوي على الضفة الأخرى من خليج القرن الذهبي، خارج أسوار إسطنبول، لتقابل منطقة أمينونو الشهيرة في القسم الأوربي، في تلاقٍ وتناغمٍ لا تجده بهذا التناسق لو ابتعدتَ عن اسطنبول.

تناوب الحضارات على قره كوي:

منذ فجر التاريخ، وتحديداً قبل ألف عام، استقر في قره كوي “تجار جنوى” الإيطاليون، بعد أن سمح لهم البيزنطيون بذلك، ثم مضى الزمان وتعزز وجودهم، وما زالت آثارُ جدران تلك الحقبة من التاريخ بارزةً أمام السائح والناظر والمارِّ والمتأمل، تحكي حكايةَ التاريخِ عن قره كوي، بمركزها التجاري المهم ومرفئها البحري الأهم.

ونمضي عبر القرون، لنصل إلى القرن الخامس عشر، لتكون قره كوي أشبه ما تكون عليه المدن الإيطالية، وعندما فتح السلطان محمد الثاني (الفاتح) مدينة قره كوي، تابع الإيطاليون والرومان والأرمن واليهود حياتهم آمنين مطمئنين إلى عدالة الإسلام وعدل العثمانيين، وتذكر المصادر أنهم شكّلوا نصف السكان.

ثم نضمي أكثر، لتكون قره كوي ملاذا آمنا لليهود الفارين من إسبانيا في القرن السادس عشر، وكذلك في القرن التاسع عشر للقادمين من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، الفارّين من حرب القرم.

ظلال التاريخ تتقاطع مع الحاضر:

من أهم ما يميز هذا الحي العتيق، تلك الازقة التي تصطف بانتظام، يُمسك بعضُها بعضًاً ويجمّل بعضُها البعضَ الآخر، في انسجامٍ تامٍ، وتناسقٍ بديع، وتآلفٍ عظيم، ثم بما تحتويه الازقةُ مِن ممرات يسير الناس فيها راجلين، فيمكن للسائح أن يبدأ المشي من ميدان تقسيم عبر شارع الاستقلال نزولاً إلى نفق المترو القديم، وكان أقدم ترام في العالم، ويصل إلى قره كوي مباشرة، إذ قُدِّم مقترحٌ لربط منطقتي تقسيم بـ قره كوي، وذلك في عهد السلطان عبد العزيز، فوافق، ليكون الافتتاح الرسمي سنة 1874م، بعربات تجرها الخيول، ثم بالطاقة لمَّا توفَّرت، وأولها البخار، وفي سنة 1911 استُخدِمت الطاقة الكهربائية، ثم طُوِّر الترام ليكون أكثر معاصَرة، أما اليوم فعاد يعمل بالعربات القديمة التراثية، وما زالت تلك العربات بلونها الأحمر تزين المنطقة وشارع الاستقلال لتتقاطع أنفاس الماضي بعبق الحاضر، كما أن المنطقة تضم دور العبادة الإسلامية والمسيحية، في وئام بديع.

مناطق شعبية في اسطنبول

وبما أن لكل إنسان لمساته المعاصرة، نجد المعاصرين قد أقاموا على أطراف الحي مطاعم ومقاهي ومحلات لبيع الآلات الموسيقية، فالمنطقة بحقٍّ مهوى أفئدة عشاق الفن والموسيقا، وما زال الزائر مشدوهاً بهذا الجلال والجمال حتى ينتهي المطاف به أمام برج غالاطة سراي، أشهر معالم مدينة إسطنبول، وما زال كما كان، مقصداً للسياح والزوار، يُطلّون منه على إسطنبول والبوسفور وخليج القرن الذهبي والمدينة القديمة.

التجارة في “قره كوي” ما بين القديم والحديث:

يلحظ المارُّ من قره كوي احتواء المنطقة على شركات حديثة وأسواق مختلفة ومكاتب متنوعة، إضافة إلى المطاعم والحوانيت والأسواق، فسوقٌ للسمك وآخر للمنتجات الكهربائية، وثالث للمصارف المالية، ثم رابع وخامس بلا حصر لشتى الشركات، ولم يكن هذا الازدهار التجاري وليد العقد الأخير من الزمن، بل له امتداد قديم، لمسنا آخرَ سلاسله التاريخية بداية القرن التاسع عشر، حيث افتتحت شركات عالمية مكاتب لها، بل إن بناء المصرف العثماني كان في هذه المنطقة، ما جعلها محطة المسافرين وميناء المتاجرين وموطن فعالياتهم.

وما زالت حتى اليوم، تحتضن المصرف المركزي، والشركات الكبرى المتنوعة، وما زالت السفن البحرية الكبيرة ترسو على موانئ قره كوي، يتروّح المتنزِّهون فيها، ويستضيفهم فيها كذلك أقدمُ صانعٍ لحلوى البقلاوة الشهير “غوللو أوغلو”.

 

اقرأ ايضاً  التوليب يزين الحدائق في اسطنبول: وأكبر سجادة في السلطان أحمد

المصدر: وكالة الأناضول

السابق
هل يستحق الجزء الآسيوي من اسطنبول الزيارة (1) ؟
التالي
لماذا عليك زيارة جزر الأمراء في اسطنبول وكيف يمكنك الوصول إليها؟

اترك تعليقاً